بقايا احلام يقظة في مدينة الناصرة
بقايا احلام يقظة في مدينة الناصرة :
مكان جميل و رائحة المسك المُصلى تعبق أرجاءه.
أمشي بخطوات ثابتة في شارع ضيق و خالي، كل محلاته مغلقة. هل هنالك احد يدلني الى أين اذهب؟
اعرف المكان من فيلم ما شاهدته.
اعرف المكان كمعرفتي لغرفتي في الوطن.
انا تائهة و لكن مطمئنة. كل شيئ من حولي يجعل شفتايا تبتسم تلقائيا.
نعم، انها الناصرة.
هذه شوارع الناصرة القديمة.
و هذه المقهى "Holy Land" أتذكرها جيدا و كانني قد شربت فيها من قبل قهوة عربية بالهيل.
هذا الصمت الثاقب تألفه اذنايا كمعزوفة المشي للجنازة لChopin .
نعم، انها الناصرة!
ولكن كيف لي ان اكون فيها بدون جواز سفر او تصريح؟
كيف اتيت اليها و انا اتذكر جيدا انني كنت بصدد المراجعة لدرس البيالوجيا على فراشي المغترب؟
لا يهم.
المهم انني هنا... و هنا الناصرة!
وجدت نفسي ،بعد بضعة أمتار، في منعطف مظلم بعض الشيئ. لم أفكر كثيرا لكي اتجه صوبه. اكره الظلمات و لكن هذه ليست كغيرها.
خراب... أوساخ مبعثرة في كل مكان ... برد برائحة عفنة استوطن في هذا الممر.
"الوطن بشيكل و كل العرب ببلاش."
اعرفه! هو بائع الجرائد في الناصرة.
وجدته على عتبة بيت ذو باب مكسور و شبابيك مخلوعة. يكرر الشاب جملته و كانه في حصة عرض محفوظات :"الوطن بشيكل و كل العرب ببلاش."
يكررها بهدوء و بدون انقطاع بينما يصنع من أوراق جرائده المصفرّة أشياء صغيرة. تقدمت نحوه لكي ارى عن كثب ما هو بصدد صنعه. و لكن كلما حاولت، احسست بوخزة في القلب. فكلماته اشواك احتدت كلما اقتربت منه. حاولت دون جدوى ان أشير انتباهه الى وجودي في هذا الممر المخيف. الا انه لا يسمعني او لا يريد ان يسمعني.
قررت ان اراقبه عن بعد. لقد كنت شديدة الفضول ان اعرف فيما هو منغمس.
وفجأة، سكت الشاب. كان صمتا ثقيلا. تمنيت لو يواصل تكرار جملته.
_تقدمي. -نطق الشاب مديرا ظهره عني- نعم، انت يا شيماء تقدمي حتى تُشبعي فضولك.
بيوت... كنائس و مساجد... فلاح مع زوجته يحملان أكداس قمح... بائع برتقال متجول... حبيب يعلن عشقه لحبيبته امام أهالي الحارة. بينما شاعر ينظر لهما و بيده قلم. وكأنه يُعمّد حبهما... أطفال تلعب كرة الطابة... نساء تعجنّ الخبز و رجال يترشفن القهوة. كلهم سعداء. و أردت في تلك اللحظة ان اكون ورقا مثلهم حتى اصير بينهم. فهم احياء في جمادهم.
_انسي! اهربي! ليس لك شيئ هنا! ....
انسي! اهربي! ليس لك شيئ هنا! -ردد بائع الجرائد- هؤلاء : جدي، ابي وامي، عماتي و ابنائي. هذه ارضي و هذا قمحي و برتقالي. و هذه طابتي. هذه حياتي التي لم تتبقى منها سوى بقايا و اشباح ذكريات.... الوطن بشيكل و كل العرب ببلاش.
.... الوطن بشيكل و كل العرب ببلاش
فجاة، افقت من النوم و انا أردد:"الوطن بشيكل و كل العرب ببلاش."
شيماء البيزاني

Comments
Post a Comment