انطباعات حول فيلم "مملكة النمل"
مملكة النمل:
بعد حوالي عامين من تصوير الفيلم، حل هذا الاخير في قاعات السينماء التونسية. و بعد أيام من الاستعدادات التي تهيأت لي دهرا من الزمن، ذهبنا 14 من الطلبة ( طلبة الاتحاد العام لطلبة تونس) إلى قاعة "المونديال" ، نهج ابن خلدون، حتى نشاهد بأعيننا المجردة فيلم "مملكة النمل".
على الثانية بعد الزوال، بعد أن قُصّت التذاكر، دخلنا من ذلك الباب الصغير إلى صالة العرض أين تنتظرنا الشاشة الكبيرة على أحر من الجمر. و فجأة، و أغلبنا لم يأخذ مقعده بعد، ينطفئ النور و يبدأ العرض بأسماء فريق العمل و بعض الرسومات الجرافيتية على ذلك الجدار المشؤوم.
و بذلك، يبدأ الفيلم بتلك الصورة التي كثرت معانيها. مثل : لن نقبل بالجدار كحد لأرضنا فلسطين!
يرمز الفيلم إلى الحياة الفلسطينية بين القصف المستمر و زغاريد النساء، بيت الحياة و الموت. الفيلم عبارة عن قصة حب بين فلسطينيين: طارق و جليلة. بل هو قصة حب طارق و جليلة و خضراء و جدّو و سالم و محمد و دلال و أم جورج و قصة حب كل الفلسطينيين الى تراب فلسطين.
هم يحبون الحياة و يمارسون الحب بين عظام الموتى.
"مملكة النمل"، تلك المملكة التي تحمي في أنفاقها تاريخ و شعب فلسطين. فالفلسطيني لا يقدر على تعلم تاريخ بلاده و لا العيش إلا تحت الأرض. مثل النمل هو يُثابر و يكدح فوق الأرض ليعيش حيا او ميتا تحتها. ف"لطالما كانت القضية قضية تراب"، هذا ما أكده جدّو.
الممثلين أبدعواو التقنيين و أوّلهم الماجري أتقنوا إخراج الصورة. لا أفقه شيئا في عالم السينما حتى أنني لا أعرف أدوار التقنيين. و لكن، الصورة التي شاهدتها أثّرت فيّ، أبكتني ... حمستني... أيقظت نيرانا بداخلي.
كل مشهد في الفيلم له وقعُه الخاص على المُشاهد: ولادة و موت سالم، رواية جدّو لقصة مريومة، موت الحصان... أغلبها أعادت لي صورا من قصائد محمود درويش كصورة الحصان و الأم بعد موت و لدها...
نهاية الفيلم كبدايته ترمز إلى البقاء و الصمود. فسيظلان، حواء و آدم، في فلسطين، يقضمان كل الليلة الثالثة من اكتمال القمر تلك التفاحة الخضراء اليانعة. "ضرب الخناجر و لا حكم النذل فيا."
فيما يخص النقد، صحفيون تونسيون لقناة حنبعل و حتى أصدقاء أجمعوا أنّ هذا الفيلم طويل، مبتذل نوعا ما لأنه يتناول القضية الفلسطينية من نفس المنظور الكلاسيكي. في قاعة العرض، هنالك من بكي (مثل حالتي) كما هنالك من أشعل سيجارة و آخرون يشعلون هواتفهم المحمولة. و أتذكر ما قالته الصديقة شمس :" مشكلة الفيلم أن الماجري قومي." و لعلها صائبة. فقد طغت تلك الصبغة الحماسية في أغلب المشاهد المهيجة للعواطف دون إضافة. و لكن أراه قد وفق إلى حد معين في توضيف هذا اللون خاصة أن الفيلم طغت عليه صبغة نقل الأحداث.
بالنسبة لي، هو فيلم رائع تقنيا و لم أشعر بالملل. و لعل هذا يعود إلى أنني لم أتعود على مشاهدة مثل هكذا أفلام. فلي أكثر من خمس سنوات، هاجرتُ السينما العربية. و بالتالي هو فرصة لمشاهدة ما نراه في نشرات الأخبار بطريقة فنية و بتلك الروح الموسيقية التي سحرتني!
هنالك قصة في الفيلم على عكس ما يقوله البعض. قصة عشق لم تكتمل بين فلسطين و سالم. كل مرة يأتي سالم ليعقد قرانه بفلسطين إلا و قتله العدو. و لكن سالم يأتي دائما، دائما، دائما... لانه "في راس كل واحد مملكة نمل بحالها".
بفضل "مملكة النمل"، تصالحتُ مع السينما العربية. و كلي أمل في مشاهدة أفلام أخرى للقضية الفلسطينية من جوانب و أبعاد أخرى ذات رؤية جديدة. نحن بحاجة الى بقاء القضية الفلسطينية في قاعات السينما، في الكتب، في الشوارع و في الفن بصفة عامة. لأن الفن نبض الإنسان.
اليوم فقط فهمتُ جيدا معنى "كثارسيس" catharsis. كتجربة أولى للماجري كمخرج فيلم طويل و لي كمشاهدة لفيلم من هذا النوع بأتم معنى الكلمة ( لأنني شاهدت أفلام مصرية حول فلسطين على شاشة روتانا و هي سخيفة الحقيقة) هي تجربة جيدة و ناجحة.
أشكر أصدقائي على هذا اليوم الجميل.
_________________________
شيماء البيزاني، 11 أكتوبر 2012 ، تونس
بعد حوالي عامين من تصوير الفيلم، حل هذا الاخير في قاعات السينماء التونسية. و بعد أيام من الاستعدادات التي تهيأت لي دهرا من الزمن، ذهبنا 14 من الطلبة ( طلبة الاتحاد العام لطلبة تونس) إلى قاعة "المونديال" ، نهج ابن خلدون، حتى نشاهد بأعيننا المجردة فيلم "مملكة النمل".
على الثانية بعد الزوال، بعد أن قُصّت التذاكر، دخلنا من ذلك الباب الصغير إلى صالة العرض أين تنتظرنا الشاشة الكبيرة على أحر من الجمر. و فجأة، و أغلبنا لم يأخذ مقعده بعد، ينطفئ النور و يبدأ العرض بأسماء فريق العمل و بعض الرسومات الجرافيتية على ذلك الجدار المشؤوم.
و بذلك، يبدأ الفيلم بتلك الصورة التي كثرت معانيها. مثل : لن نقبل بالجدار كحد لأرضنا فلسطين!
يرمز الفيلم إلى الحياة الفلسطينية بين القصف المستمر و زغاريد النساء، بيت الحياة و الموت. الفيلم عبارة عن قصة حب بين فلسطينيين: طارق و جليلة. بل هو قصة حب طارق و جليلة و خضراء و جدّو و سالم و محمد و دلال و أم جورج و قصة حب كل الفلسطينيين الى تراب فلسطين.
هم يحبون الحياة و يمارسون الحب بين عظام الموتى.
"مملكة النمل"، تلك المملكة التي تحمي في أنفاقها تاريخ و شعب فلسطين. فالفلسطيني لا يقدر على تعلم تاريخ بلاده و لا العيش إلا تحت الأرض. مثل النمل هو يُثابر و يكدح فوق الأرض ليعيش حيا او ميتا تحتها. ف"لطالما كانت القضية قضية تراب"، هذا ما أكده جدّو.
الممثلين أبدعواو التقنيين و أوّلهم الماجري أتقنوا إخراج الصورة. لا أفقه شيئا في عالم السينما حتى أنني لا أعرف أدوار التقنيين. و لكن، الصورة التي شاهدتها أثّرت فيّ، أبكتني ... حمستني... أيقظت نيرانا بداخلي.
كل مشهد في الفيلم له وقعُه الخاص على المُشاهد: ولادة و موت سالم، رواية جدّو لقصة مريومة، موت الحصان... أغلبها أعادت لي صورا من قصائد محمود درويش كصورة الحصان و الأم بعد موت و لدها...
نهاية الفيلم كبدايته ترمز إلى البقاء و الصمود. فسيظلان، حواء و آدم، في فلسطين، يقضمان كل الليلة الثالثة من اكتمال القمر تلك التفاحة الخضراء اليانعة. "ضرب الخناجر و لا حكم النذل فيا."
فيما يخص النقد، صحفيون تونسيون لقناة حنبعل و حتى أصدقاء أجمعوا أنّ هذا الفيلم طويل، مبتذل نوعا ما لأنه يتناول القضية الفلسطينية من نفس المنظور الكلاسيكي. في قاعة العرض، هنالك من بكي (مثل حالتي) كما هنالك من أشعل سيجارة و آخرون يشعلون هواتفهم المحمولة. و أتذكر ما قالته الصديقة شمس :" مشكلة الفيلم أن الماجري قومي." و لعلها صائبة. فقد طغت تلك الصبغة الحماسية في أغلب المشاهد المهيجة للعواطف دون إضافة. و لكن أراه قد وفق إلى حد معين في توضيف هذا اللون خاصة أن الفيلم طغت عليه صبغة نقل الأحداث.
بالنسبة لي، هو فيلم رائع تقنيا و لم أشعر بالملل. و لعل هذا يعود إلى أنني لم أتعود على مشاهدة مثل هكذا أفلام. فلي أكثر من خمس سنوات، هاجرتُ السينما العربية. و بالتالي هو فرصة لمشاهدة ما نراه في نشرات الأخبار بطريقة فنية و بتلك الروح الموسيقية التي سحرتني!
هنالك قصة في الفيلم على عكس ما يقوله البعض. قصة عشق لم تكتمل بين فلسطين و سالم. كل مرة يأتي سالم ليعقد قرانه بفلسطين إلا و قتله العدو. و لكن سالم يأتي دائما، دائما، دائما... لانه "في راس كل واحد مملكة نمل بحالها".
بفضل "مملكة النمل"، تصالحتُ مع السينما العربية. و كلي أمل في مشاهدة أفلام أخرى للقضية الفلسطينية من جوانب و أبعاد أخرى ذات رؤية جديدة. نحن بحاجة الى بقاء القضية الفلسطينية في قاعات السينما، في الكتب، في الشوارع و في الفن بصفة عامة. لأن الفن نبض الإنسان.
اليوم فقط فهمتُ جيدا معنى "كثارسيس" catharsis. كتجربة أولى للماجري كمخرج فيلم طويل و لي كمشاهدة لفيلم من هذا النوع بأتم معنى الكلمة ( لأنني شاهدت أفلام مصرية حول فلسطين على شاشة روتانا و هي سخيفة الحقيقة) هي تجربة جيدة و ناجحة.
أشكر أصدقائي على هذا اليوم الجميل.
_________________________
شيماء البيزاني، 11 أكتوبر 2012 ، تونس


Comments
Post a Comment